الحكيم الترمذي

83

كيفية السلوك إلى رب العالمين

وجه ، كرجل وقع نظره على امرأة أو على طعام فاشتهاه ليأكله ، فحرّم عليه تناولها إلا من وجه نكاح ، وأبيح له بالنكاح ، وحرم عليه إلا من وجه الملك ، فهذه الشهوة لا يقال لها معصية ولا طاعة ، إنما هي تركيب في العبد ، إذا تناول تلك الشهوة من الوجه الذي أطلق له فهو مطيع ، فإذا تناولها من الوجه الذي لم يطلق له فهو عاص ، وليس قصده في ذلك الوقت المعصية ، إنما قصده تناول الشهوة وقضاء المنيّة ، وهو في ذلك مكرّر عليه لما يتردد في صدره من الخوف ، وقلبه يضطرب من الخطر العظيم الذي يركبه ، ولكن للشهوة الغالبة والقدر المقدور والقضاء المبرم ؛ تظهر الغلبة للنفس على القلب ، فيصدر ذلك بعزيمة من القلب ، فيظهر على الأركان ، فيصير عاصيا في ذلك الوقت ، وهذا في عداد المستقيمين ؛ لأنه في عامة الأوقات الغالب في صدره إشراق نور الإيمان . مسألة في شرح قوله : « الخشية من العلم باللّه ، والخوف من المشاهدة » . قال أبو عبد اللّه - رحمه اللّه - : الخشية من العلم ، والخوف من المشاهدة ، فالخشية ممزوجة ، والمشاهدة منصوصة ، وذلك أن المشاهدة لقاء العظمة ، فالخوف كل الخوف من العظمة ، والعلم باللّه يؤدّيك إلى السلطان ، وكما يؤدّيك إلى السلطان يؤدّيك إلى الرحمة ، ويؤدّيك إلى الجلال ، وكما يؤدّيك إلى الجلال يؤدّيك إلى الجمال ، ويؤدّيك إلى العزّ والكبرياء ، وكما يؤدّيك إلى الكبرياء يؤدّيك إلى الكرم ، ويؤدّيك إلى الخطر العظيم من مكره ، وإلى هول المشيئة . وكما يؤدّيك إلى ذلك يؤدّيك إلى الجود ، ويؤدّيك إلى الهيبة ، وكما يؤدّيك إلى الهيبة يؤدّيك إلى المحبة والأنس ، فلذلك قلنا : إن الخشية ممزوجة ؛ لأن الخشية من العلم باللّه . وكذلك قال في تنزيله : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] ، ثم قال على إثرها : إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [ فاطر : 28 ] ، لعلمك أن العلماء باللّه يخشون اللّه بعلمهم باللّه أنه جليل ، فيخشون جلاله ، ثم يمازج الخشية علمهم باللّه أنه عزيز غفور ، وذلك أن العزيز يأنف أن يخيّب من يأمله ، أو يرد سائله ، أو يوئيس راجيه ، والعزيز يعطي ولا يبالي من العطيّة ، ويعطي من يستحق ولا يستحق . وكذلك تجد في عبيده أوفرهم حظا من العزّ أجودهم يدا بالعطية ، وأقلّهم مبالاة